هاشم معروف الحسني
73
أصول التشيع
وأجاب الفلاسفة بما حاصله بأن كلمة القادر لا تعني أكثر من أن الفعل المقدور يصدر عن الفاعل بإرادته واختياره سواء أكان مقارنا لوجود الفاعل في الزمان أو متأخرا عنه ، وما دام الكون صادرا عن مشيئة اللّه سبحانه فيتصف اللّه بالقدرة كما وأنه لا يلزم من كون مشيئة اللّه ملازمة لذاته أن يكون اللّه غير مختار في فعله ويصدر عنه الفعل قهرا ، كما تصدر الحرارة عن النار على حد تعبيرهم لأن تبعية المشيئة للذات وكونها من لوازمها لا يمنع من كون الخلق والتدبير وكل أفعاله تصدر بإرادته واختياره أي أنه لا بد وأن يختار الخلق والتدبير لأن اختياره فيض منه والفيض كمال وعدمه نقصان واللّه منزه عنه . وهل تعم قدرته جميع الأشياء والمقدورات حسنة كانت أو قبيحة أو أنها لا تشمل غير الحسن ، أما القبيح فلا يقدر عليه ، فقد جاء عن الأشاعرة والإمامية وأكثر المعتزلة أن جميع الأشياء الحسن منها والقبيح داخل تحت قدرته لأن المقتضى للقدرة هي ذاته تعالى ونسبتها لكل منهما واحدة ، غير أن الأشاعرة يدعون بأن اللّه لا يقبح منه شيء وكل ما يفعله يصبح حسنا ولو كان قبيحا بنظر الناس . وفي مقابل رأي الأشاعرة ذهب الإمامية وأكثر المتعزلة إلى أن للّه داعيا إلى فعل الحسن ولا صارف له عنه ، ولا داعي له لفعل القبيح وفي الوقت ذاته له صارف عنه ، في حين قدرته عليه ، ومع وجود القدرة والداعي يجب الفعل ، ومع عدم الداعي لا يجب عليه ، وعلى أساس ذلك يكون فعل القبيح بالنسبة إليه ممكنا بالذات لقدرته عليه وممتنعا بالعرض لعدم الداعي إليه . وقال النظام أحد أقطاب المعتزلة : إن اللّه لا يقدر على القبيح ، لأنه مع العلم بقبح الفعل يكون فعله سفها ، ومع الجهل بقبحه يكون نقصا وكلاهما محال عليه سبحانه . وكلامه هذا لا يدل على أكثر من أن القبيح لا يصدر منه سبحانه ولا ملازمة بين ذلك وبين عدم قدرته عليه .